أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

370

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

بذكر هذه الصفة على التربية والإصلاح ، وتقبل معنى اقبل فتفعل هنا بمعنى المجرد ، وتقدم الكلام على نحو « إنك أنت السميع » من كون « أنت » يجوز فيه التأكيد والابتداء والفصل وتقدمت فيه صفة السمع ، وإن كان سؤال التقبل متأخرا عن العمل للمجاورة كقوله : يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ ، فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ « 1 » تأخرت صفة العلم لأنها فاصلة ، ولأنها تشمل المسموعات وغيرها . قوله : مُسْلِمَيْنِ مفعول ثان لجعل لأنه بمعنى التصيير ، والمفعول الأول هو « نا » وقرأ ابن العباس « مسلمين » بصيغة الجمع ، وفي ذلك تأويلان : أحدهما : أنهما أجريا التثنية مجرى الجمع وبه استدل من يجعل التثنية جمعا . والثاني : أنهما أرادا أنفسهما وأهلهما كهاجر . قوله : لَكَ فيه وجهان : أحدهما : أن يتعلق بمسلمين ، لأنه بمعنى نخلص لك أوجهنا نحو : أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ فيكون المفعول محذوفا لفهم المعنى . والثاني : أنه نعت لمسلمين أي : مسلمين مستقرين لك ، أي : مستسلمين ، والأول أقوى معنى . قوله : وَمِنْ ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً فيه قولان : أحدهما : - وهو الظاهر - أن « من ذريتنا » صفة لموصوف محذوف هو مفعول أول و « أمة مسلمة » مفعول ثان تقديره : واجعل فريقا من ذريتنا أمة مسلمة ، وفي « من » حينئذ ثلاثة أقوال : أحدها : أنها للتبعيض . والثاني : أجازه الزمخشري أن تكون للتبيين ، قال : كقوله : « وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ » « 2 » . والثالث : أن تكون لابتداء غاية الجعل قاله أبو البقاء . الثاني من القولين : أن يكون أمة هو المفعول الأول و « من ذريتنا » حال منها ، لأنه في الأصل صفة نكرة ، فلما قدم عليها انتصب حالا و « مسلمة » هو المفعول الثاني ، والأصل : « واجعل أمة من ذريتنا مسلمة » فالواو داخلة في الأصل على « أمة » وإنما فصل بينهما بقوله : « من ذريتنا » وهو جائز ، لأنه من جملة الكلام المعطوف . وفي إجازته ذلك نظر ، فإن النحويين كأبي علي وغيره منعوا الفصل بالظرف بين حرف العطف إذا كان على حرف واحد وبين المعطوف ، وجعلوا قوله : 726 - يوما تراها كشبه أردية ال * عصب ويوما أديمها نغلا « 3 » ضرورة ، فالفصل بالحال أبعد وصارما أجازه نظير قولك : « ضرب الرجل ومتجردة المراءة زيد » وهذا غير

--> ( 1 ) سورة آل عمران ، آية ( 106 ) . ( 2 ) سورة النور ، آية ( 55 ) . ( 3 ) البيت للأعشى انظر ديوانه ( 154 ) ، الخصائص ( 2 / 395 ) ، اللسان « نغل » .